السيد الطباطبائي
280
الإنسان والعقيدة
واقعيّة من غيرها ، ثمّ التزام الواقعيّة ، والاعراض عن غيرها . . وإذا توسّعنا في الملاحظة والبحث ، وتصفّحنا أحوال أبناء نوعنا ، أينما كانوا ، وحيثما وجدوا ، وأيّا كانت الحالة التي هم عليها . . وجدنا أنّهم يسلكون عين هذا المسلك ، ويسيرون في نفس هذا الطريق . . فلا يدّخرون وسعا ، ولا يألون جهدا في التمييز بين الحقّ والباطل ، والصواب من الخطأ ، في جميع شؤون حياتهم ، التي تنال عنايتهم ، وتحظى باهتمامهم . . فلا همّ للإنسان إلّا أن يحفظ نفسه من الوقوع في الخطأ والغلط ، ومن أن يأخذ غير الواقع على أنّه الواقع ، أو العكس . . وهكذا كان أيضا حال الأمم والشعوب الخالية ، فرادى وجماعات ، فإنّهم كانوا يبحثون دائما عن واقعيّة الأشياء بهدف تمييزها من غيرها ممّا يشتبه بها ، ثمّ يأخذون بما يرونه حقّا وصوابا ، بحسب طلبتهم ، وعلى وفق بغيتهم ، ويظهر ذلك بجلاء لكلّ من راجع ما يصفه التاريخ من سيرهم وسننهم ، ولاحظ آثارهم العمرانيّة ، وغيرها من أعمالهم . هذا . . ولم يزل الإنسان محبّا ، بل ومغرما بهذا النوع من البحث - وهذا هو بالذات ما نسمّيه بحثا فلسفيّا - في جميع ما يرتبط به وجوده ، ومختلف شؤون حياته ، وإن لم يشعر هو بذلك تفصيلا ، ويلتفت إليه بالفعل ، فإنّ ذلك الدافع النفسي نحو التمييز - والذي يرتبط في الحقيقة بإنسانيّة الإنسان - يقوم بعمله بانتظام ، ومن دون أي عيّ أو كلال . . . ويسير الإنسان قدما في هذا الخطّ ، في جزئيّات مقاصده ومبتغياته ، وما يرتبط بشؤون حياته المحدودة . . . لكنّه ربّما عمّم البحث بما جبل عليه من قريحة التعميم . . ليبحث عن الوجود وأنواعه وخواصّه وأحكامه من جهة عامّة . . فيفكّر في العلّة والمعلول ، والامكان والوجوب ، والقوّة والفعل ، والقدم والحدوث . وهذه الأبحاث والدراسات ، وإن كانت ليست بعيدة كلّ البعد عن شعور الإنسان ، حيث إنّه يحسّ ويشعر بها إجمالا ، إلّا أنّها هي التي نبّهت الإنسان إلى